إن مما يلفت الانتباه في هذه الأيام كثرة الكلام عن الواقع التي سوف تعيشه الشعوب العربية بعد الثورات الحـالـية التي تجري في الوطن العربي الكبير و الكلام عن أيدلوجية الدولة المستقبلية و طبيعة الحكم فيها و الصراع الذي نشهده بين الإسلاميين من جانب و بين العلمانيين من جانب أخر بل و البعض يتحدث عن بعض العراك التي تحدث على ارض الثورة المشتركة و السبب الذي يعتقده من ينتمي إلى الطرف الأخر هو الخوف من قيام الدولة الدينية أو ما تسمى الدولة الثيوقراطية بدلا من الدولة المدنية .وفي المقابل في هذا الوقت نرى اليهود و بكل وقاحة_ على حد تعبير وزير الدفاع الإسرائيلي السابق عمير بيرتس_ يصرون على قيام الدولة اليهودية على ارض فلسطين و ليس ذاك فحسب بل و يريدون إلزام الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية الدولة .
أولا لنلقي نطره على الجانب التاريخي حتى يتسنى لنا معرف مفهوم الدولة الدينية. من الناحية التاريخية فقد قامت الحكومات والسلطة على فكرة فلسفية أراد منها أصحابها الخروج من ربقة الحكم المطلق المستبد الذي شهدته العصور الفرعونية و اليونانية و التي كثرت فيها الآلهة البشرية التي كانت تزعم أنها تنوب عن الإله في حكم الشعب و ظلت النظرية هذه موجودة و حكمت القارة الأوروبية و غيرها في ظل الحكم الكنسي الذي كان يصدر فرمانات و صكوك الغفران من الإله و أصبحت القضية مربحة للكنيسة في حينها كانت القوى السياسية هي المسيطرة على الكنيسة و بالتالي أباحت اضطهاد القوى المعارضة . استمرت الدولة الدينية إلى أن جاءت الدور الأخير من الدولة المسيحية وفق مبدأ ( ما لقيصر لقيصر و ما لله لله )و كان ذلك نهاية الدولة الدينية في أوروبا .
و بالنظر إلى تاريخ قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة و كان الرسول الكريم هو مبلغ الرسالة من ناحية و يمارس السلطة من ناحية أخرى مع أصحابه وفق مبدأ الشورى حيث كان لايقطع أي أمر من أمور الأمة إلا و شاور فيه أصحابه امتثالا لقول الله :( و شاورهم في الأمر). و عندما توفي الرسول الكريم عليه السلام جرت تساؤلات عن خلفاء الحكم بعده هل هم خلفاء عن الله أم أنهم حلفاء عن الرسول و إذا كانوا خلفاء عن الرسول فمعنى ذلك أنهم بشر يخطئون و يصيبون و بالتالي يتم تقويمهم و إعادتهم إلى الصواب في حالة المخالفة إلا يتم عزلهم و استبدالهم.
وهذا يقودنا إلى مفهوم الدولة الإسلامية و التي أجاب عنه الدكتور القرضاوي عندما سئل:ماذا يعني المفكرون الإسلاميون بقولهم : ( الحكم الإسلامي في الإسلام يقوم على الدولة المدنية ، وليس على الدولة الدينية؟؟
ماالمراد بذلك؟ أم أن هذا الكلام به خطأ.؟ فأجاب :((
فالدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مَدَنِيَّة، تقوم السلطة بها على البَيْعة والاختيار والشورى والحاكم فيها وكيل عن الأمة أو أجير لها، ومن حق الأمة ـ مُمثَّلة في أهل الحلِّ والعَقْد فيها ـ أن تُحاسبه وتُراقبه، وتأمره وتنهاه، وتُقَوِّمه إن أعوجَّ، وإلا عزلته، ومن حق كل مسلم، بل كل مواطن، أن ينكر على رئيس الدولة نفسه إذا رآه اقترف منكرًا، أو ضيَّع معروفًا، بل على الشعب أن يُعلن الثورة عليه إذا رأي كفرًا بَوَاحًا عنده من الله برهان. )) ا.ه
و بالنظر الى طبيعة اول خليفة خطاب إسلامي سياسي في تاريخ دولة أول خليفة و ما جاء فيه : (أيها الناس إنما وليت عليكم و لست بخيركم, فإذا رأيتموني على حق فأعينوني و أن رأيتموني على باطل فقوموني , القوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه و الضعيف فيك قوي عندي حتى اخذ الحق له). و إذا أردنا تحليل هذا الخطاب و جدنا فيه الأمور التالية:
أن الحاكم في الدولة الإسلامية ليس بالضرورة أن يكون افضل الناس و إن كان أبو بكر كذلك.
إثبات حق الأمة في النصح فيما يعين على قيام مصالحها.
إثبات حق الأمة في النقد لسياسات الحاكم بل وعزله إذا خالف .
إذا أين هذا من الدولة الدينية التي و كما سبق أن الحاكم فيها مخول ونائب عن الإله و ليس لأي شخص حق النقد أو الاعتراض عليه.ثم جميعنا يذكر قصة عمر بن الخطاب مع المرأة التي اعترض عليه حينما أراد أن يتبت مهر الزواج عند قيمة معينة فقالت له : (و إن آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) فقال رضي الله عنه : ( صدقت إمرة و اخطأ عمر ). و بالتالي كما يقول المفكرون الإسلاميون لا وجود للدولة الدينية في الإسلام باستثناء الشيعة الأمامية في إيران التي تقول بولاية الفقيه.
و أخيرا كما قيل مر أسد في غدير فنقنق ضفدع محذرا إياه, فقال الأسد: يا ضفدع أنت في مكان مهين, أسفلك في الماء و أعلاك في الطين, أما علمت أني كسرت قوافل الجمال و هابني الرجال و اهتزت لزئيري الجبال؟ ماذا قال الضفدع بعدها؟ الاجابة على القارئ.
No comments:
Post a Comment